دعانى صديقي إلى أن أزور قريته معه لنقضي يوم الجمعة في أحضان الريف وليقضي بعض مصالحه، فذهبنا، وثم لقينا نضرة وسرورا. ولكن تلك النظرة التي تفتن ابن المدينة في لانهائية الريف، وذلك السرور الذي يغمر كيانه ووجدانه حين يرى الطبيعة تتهلل له أيان ولى وجهه، كانا مشوبين عندي بالرثاء للفلاحين أنصاف العرايا, وهم مكبون على الأرض يعملون فيها الفلوس أو المناجل, مكدودين يتصببون عرقا في أوار القيظ، وللفلاحات القابعات في ذلة لدى الأكواخ المتحذة من الطين والبوص، وكنا إذا سرنا في الطرقات الضيقة الملتوية فأشرفنا عليهن، تداخلن بعضهن في بعض، وتحجبن عنا بخرق بوال، حملت من تراب الأرض بقدر ما تحمل الأرض، والأولاد الصغار أنصاف عرايا كآبائهم، قذرون كأمهاتهم، يرتعون مع الماعز والفراخ في تلك العراجين، وفوق أكوام التراب، أو حول البركة الآسنة المحاورة.